قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ

وهل يجوز للانسان ان يخاف من غير الله ؟
الانسان تعتريه الخوف من ظالم سفاك ومن جبروت طاغ خوفا ان يعذبه يهرب عنه خوفا ان يقتله او يعتدي عليه ؛ فهذه جبلة جبلها الله للبشر لينقذوا ويحفظوا انفسهم من الضرر والتلف ممن لا يتقي ولا يخاف الله ؛ والله سبحانه وتعالي لم ينكر خوف موسي وهارون عليهما السلام من فرعون ؛ فالخوف الطبيعي الذي طبع الله في قلوب البشر من طاغوت او ملك جائر فهذا لا اثم فيه ؛ ومن توقي بحذر وبخوف من مجرم او ظالم وله القدرة ان يعذبه او يؤذيه فهذا لا يعد الخوف المذموم ؛ فاذا كان الانسان يخاف من السباع الكواسر والحيوانات التي تؤذي الانسان فهذا هو حفاظ النفس فلا يؤاخذ الله للعبد من هذا الخوف ؛
(إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين فأصبح في المدينة خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين )
فاذا كان الانسان يخاف من عصابة ومن مجرمين ومن ظالمين يقتلون الناس ويأخذون اموالهم بظلم ؛ ويغتصبون النساء كقطاع الطريق وجنودا يحملون سلاحا ينتهكون حرمات الناس ؛ او يفسدون الناس دينهم وخلقهم ويعتدون عليهم بالضرب والتهديد والتخويف والاكراه ؛ فهذا الخوف يجوز لا ريب فيه لان الله امرنا بحفظ الايمان والمال والانفس والعرض ؛ الخوف من إنسان مفسد مجرم يهجم عليك بلا جريرة ويتعمد بقتلك واذاك ؛ ولا تقدر على دفعه ومقاومته وليس عندك منعة ولا من ينصرك ؛  ولا الي ركن شديد تأوي اليه فهذا خوف طبيعي لا يحاسب الله علي عبده ؛
(قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ )
(ولا يشعرن بكم أحداً إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم، ولن تفلحوا إذاً أبداً )
فاذا كان الانسان يخاف مما لا يقوي الدفاع عن نفسه من بشر او حيوان ولا يملك مما يدافع عن نفسه ؛ فعليه ان يأتي بالحيلة او الفرار كي يحفظ ممتلكاته فهذا الخوف يجوز بل هو مشروع فلا اثم علي الخائف ؛ اتيان الأسباب الواقية والدفع عن الشرهي من الضروريات لحماية النفس والمال؛لأن الضرر وازهاق النفس والمشقة والخسائر متوقع دائما من العدو والظالم والسبع ؛
(وَأَلْقِ عَصَاكَ ۚ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ۚ يَا مُوسَىٰ لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ)
(أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا )
(قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى )
وبلا شك إذا كان الخوف خوف جبلي اودعه الله علي قلوب البشر وليس خوف اعتقاد ولا تعظيم بشر ؛ ولا ان تتراجع عن دينك وايمانك ولا تستسلم لاعدائك ولا تتساوم علي عقيدتك ؛ فهذا  خوف ناتج عن ضعف الإنسان كأن لا يملك ما يدافع عن نفسه او دينه او عرضه او ماله ؛ من قلة انصاره او شماتة اعدائه وهو مكره وليس خوف اعتقاد او شرك ؛ وهذا لا يؤثر ايمان العبد من نقص او زوال ولا يفسد عقيدته وهو خوف جائز لكي لا تلقي نفسك الهلاك ؛
(قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ )
اذا انتابك امر مزعج غمرتك هواجس الخوف واضطراب وفاجأك بخوف طبيعي ؛ مثل خوارق العادة والاشياء الغير مألوفة تنبعث منك بوادر الخوف ؛ فلا يضر هذا الخوف ايمانك ولا يقللها ولا يشكك عقيدتك ؛ لان هذا الخوف نابعا من الخوف الفطري في الإنسان الذي اوجده الله في قلب كل عبد ؛ وهذا الخوف لا يؤدي الي عدم الوثوق مع الله لان الانسان مفطور بالخوف بالامور التي لا يقدر ان يتحملها والصدمات ؛ والفاجعات الغير المرتقبة والامور المذهلة والاوهام المخيفة ؛ والخوف شعور واحساس يصيب الجميع بعباد الله بلا استثناء فهو من نواميس الحياة ؛ وخوف الصدمة لا يلام عليه العبد ولا ينافي الايمان
(فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى )
  (فلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ )
يٰامُوسَىٰ لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ ) )
اذا كثر عليك الخوف وضاق بك ذرعا واوجعتك آلام الفواجع وتراكمت عليك الاشجان والمخاوف ؛ واحاطت بك البلايا والم عليك الخطب وعظمت بك الرزايا وشق عليك الموقفِ والحال ؛ ومرت الايام تجر بعضها علي بعض وانت تعيش في قلق وقلبك منقبض ومرتجف وتعسرت عليك السبل ؛ ونفد منك الصبر والتحمل وضاق بك صدرك من شدة الخوف والهلع وضاقت عليك الارض بما رحبت ؛ واحاطت بك الكرب والهموم من شدة الخوف والفزع والحيرة والضيق والتوتر ؛ وكأن في داخل قلبك اشواكا تجرحة وتؤلمه وينزف القلب مهجته ؛ ولا يهدأ قلبك روعه وفزعه وخشيت الفقدان والهلاك لحبيب لك عزيز عليك غاليا في نفسك ؛ ومخالب الحزن والخوف وانيابه يعضان ويلوكان كل يوم فلذة كبدك وقد اثقلت نكبات الدهر علي كاهاك ؛ وانساك هذا الغم وهذا الحزن بما عاهد الله عليك او ينسيك الشيطان بما وعد الله عليك فاصابك الخوف والفزع ؛ لان الشيطان دائما يسعي ويجاهد ان يعيش الانسان في خوف وحزن وخيبة ؛ فلا اثم عليك ايها الخائف الحزين لانك بشر ضعيف ؛ قليل التحمل والعزم للنكبات والملمات وشدائد النوازل وعظائم المصائب ؛
(وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا ۖ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ )
(وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ )

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s